عمر السهروردي

89

عوارف المعارف

الباب التاسع في ذكر من أنتمى إلى الصوفية وليس منهم فمن أولئك قوم يسمون نفوسهم قلندرية تارة ، وملامتية أخرى ، وقد ذكرنا حال الملامتى ، وأنه حال شريف ، ومقام عزيز ، وتمسك بالسنن والآثار وتحقق بالإخلاص والصدق ، وليس مما يزعم المفتونون بشئ . فأما القلندرية فهو إشارة إلى أقوام ملكهم سكر طيبة قلوبهم حتى خربوا العادات ، وطرحوا بآداب المجالسات والمخالطات ، وساحوا في ميادين طيبة قلوبهم ، فقلت أعمالهم من الصوم والصلاة إلا الفرائض ، ولم يبالوا بتناول شئ من لذات الدنيا من كل ما كان مباحا برخصة الشرع ، وربما اقتصروا على رعاية الرخصة ، ولم يطلبوا حقائق العزيمة . ومع ذلك هم متمسكون بترك الادخار ، وترك الجمع والاستكثار ، ولا يترسمون بمراسم المتقشفين والمتزهدين والمتعبدين ، وقنعوا بطيبة قلوبهم مع اللّه تعالى ، واقتصروا على ذلك ، وليس عندهم تطلع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيبة القلوب . والفرق بين الملامتى والقلندري ، الملامتى يعمل في كتم العبادات ، والقلندري يعمل في تخريب العادات ، والملامتى يتمسك بكل أبواب البر والخير ويرى الفضل فيه ، ولكن يخفى الأعمال والأحوال ، ويوقف نفسه موقف العوام في هيئته وملبوسه وحركاته وأموره ، سترا للحال لئلا يفطن له ، وهو مع ذلك متطلع إلى طلب المزيد ، باذل مجهوده في كل ما يتقرب به العبيد . والقلندري لا يتقيد بهيئة ، ولا يبالي بما يعرف من حاله وما لا يعرف ، ولا ينعطف إلا على طيبة القلوب وهو رأس ماله . والصوفي يضع الأشياء مواضعها ، ويدبر الأوقات والأحوال كلها بالعلم ، يقيم الخلق مقامها ، ويقيم